شرحالمياه والغذاء

المياه، والغذاء وتغير المناخ في منطقة البحر الأبيض المتوسط

مزارع يعتني بالمحاصيل بجانب جدول مائي تحت الشمس في منطقة البحر الأبيض المتوسط
عقدة حبل تربط بين الماء والغذاء والطبيعة والطاقة في حالة توازن

في منطقة حوض المتوسط، ليس الغذاء للتغذية وحسب. من الخبز المخبوز من القمح، والزيت المُسّتخرَج من الزيتون، مرورًا بمشاركة التمر عند غروب الشمس، ووصولًا إلى الكسكس والملوخية المعدّتين بتأنٍّ ومحبة، كلها تحمل ثقافة، وذاكرة وحسًا بالمكان. وراء هذه التقاليد توازن دقيق بين المناخ والمياه – أمطار تُغذّي المحاصيل، وأنهار ومستودعات للمياه الجوفية تروي الحقول، وإيقاعات موسمية يسترشد بها المزارعون والصيادون. لكنّ هذه الإيقاعات اليوم في طور التغيّر.

ارتفاع درجة حرارة المتوسط أسرع بحوالى 20% من المعدّل العالمي.

ارتفاع درجة حرارة المتوسط أسرع بحوالى 20% من المعدّل العالمي.

يزداد الصيف طولًا وحرًا، فيما تقلّ القدرة على توقع هطول الأمطار، ويضرب الجفاف أكثر من ذي قبل وبكثافة أكبر. وإنّ تغيّر المناخ لم يعد مفهومًا مجرّدًا؛ بل يتجلّى في جفاف بئر إحدى القرى، أو في تسرّب مياه البحر إلى مصادر المياه العذبة، أو في ارتفاع سعر الطماطم في السوق.

تُشكّل ندرة المياه التحدي الأكثر إلحاحًا في المنطقة -ويزيد تغيّر المناخ من صعوبة إدارة هذا التحدي. إذ يمكن أن تهطل الأمطار الغزيرة فجأة، فتجرف معها التربة الخصبة وتتسبّب بفيضانات. كما أنّ فترات الجفاف الطويلة تضعف المحاصيل، والثروة الحيوانية والغابات. أمّا المياه الجوفية، التي لطالما اعتبِرت خزانًا موثوقًا في السنوات الجافة، فالضخ منها أسرع من تغذيتها. وعلى طول الساحل، تؤدي المستويات المتزايدة لارتفاع سطح البحر إلى دفع المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية والحقول ، مما يقلّل من جودة المياه والإنتاجية الزراعية.

ومع ازدياد ندرة المياه، تَكون الأنظمة الغذائية هي المتضرّر الأوّل. فالمحاصيل الأساسية مثل القمح، والشعير، والطماطم، والحمضيات، والعنب والمشمش تتأثّر بشدّة بسبب الحر وتغير أنماط هطول الأمطار. وحتى المحاصيل المعروفة بقدرتها على التكيّف، مثل الزيتون ونخل البلح، فإنّها تعاني عندما تمتد فترات الجفاف لفترة طويلة. كما أنّ موجات الحر تحرق البساتين، فتنضب الأنهار وتجف الأراضي الزراعية. وحرائق الغابات، التي أمسَت الآن رمزًا للصيف المتوسطي الحار، تُغيّر خصائص التربة، وتطلق ثاني أكسيد الكربون، وتُسرّع من وتيرة الاحترار.

بالنسبة إلى المزارعين والرعاة والصيادين، تترجَم هذه الضغوط إلى خيارات صعبة. حيث يتخلى البعض عن المحاصيل التي كانت تُعيل أسرهم في السابق، بينما يلجأ البعض الآخر إلى أصناف أقل استهلاكًا للمياه. كما يشكّل ارتفاع تكلفة الأعلاف مع تدهور المراعي تحديًا آخر. وفي البحر، يؤدي ارتفاع درجة حرارة المياه والصيد الجائر إلى تراجع مخزون الثروة السمكية والتنوّع البيولوجي. وغالبًا ما يظهر أثر ذلك كلّه، في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وقلة الخيارات، وتزايد عدم اليقين بالنسبة إلى الأسر في جميع أنحاء المنطقة.

إنما الخسارة ليست اقتصادية وحسب. فالأطعمة مثل التين، والزيتون، والزعتر، والقمح القاسي، والتمر والحمضيات جزء من هوية البحر الأبيض المتوسط. وعندما يتراجع المحصول، يتعرض التراث الثقافي وسبل العيش للخطر. والتحدي لا يتوقف عند المزارع أو الأسواق. فالمياه، والأغذية، والطاقة والنظم البيئية عميقة الترابط.

يمثل إنتاج الغذاء حوالى ربع إجمالي استهلاك الطاقة في المنطقة. ويعتمد توليد الطاقة، بدوره، بشكل كبير على المياه لتبريد محطات توليد الطاقة، وتشغيل منشآت تحلية المياه أو ريّ المحاصيل. وفي الواقع، يمكن أن تشكّل تكاليف الطاقة حصة كبيرة من نفقات تشغيل مرافق المياه والصرف الصحي.

نظام المياه والغذاء والطاقة والطبيعة تحت الضغط — صنبور جاف، ومحصول ذابل، وأرض متشققة، وحريق غابات

في الوقت نفسه، توفّر النظم البيئية ، مثل الأراضي الرطبة، والغابات، والمراعي، والأنهار والمناطق الساحلية، الأساس للقدرة على التكيّف. حيث ترشّح المياه، وتخزّن الكربون، وتحدّ من الفيضانات، وتدعم التنوّع البيولوجي. لكنها تتعرض لضغوط متزايدة جراء التلوث، والإفراط في الاستخدام والبنية التحتية السيئة الغير المخطّط لها بشكل سليم.

لذا يكتسب النهج الترابطي للمياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية أهمية كبرى في المتوسط.

لذا يكتسب النهج الترابطي للمياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية أهمية كبرى في المتوسط، كونه يأكد أنه لا يمكن إدارة هذه الأنظمة بشكل منفصل. إذ تؤثر القرارات المتخذة في مجال الزراعة في توافر المياه، والطلب على الطاقة، والنظم البيئية. وتؤثر الخيارات المتعلقة بالطاقة على استخدام المياه والانبعاثات. كما يمكن للاستثمارات غير المدروسة في أي من هذه القطاعات أن تُلّحق الضرر بالقطاعات الأخرى عن غير قصد.

يشجع نهج المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية على الحلول المتكاملة. وبإمكانها أن تشمل تحسين كفاءة الري مع حماية النظم البيئية والتربة، واستخدام الطاقة المتجددة للحد من الضغط على الموارد المائية، أو تصميم سياسات “عدم إلحاق الضرر” – حتى عند غياب القدرة على تحقيق جميع الأهداف بالكامل مرّة واحدة. صحيح أنّ هذا التكامل معقد، لكنه ممكن وضروري.

يعني ذلك عمليًا اعتبار منطقة البحر الأبيض المتوسط كوحدة مترابطة، من الينابيع الجبلية والأنهار المتدفقة عبر الأراضي الزراعية والمدن، وصولًا إلى الدلتاوات والسواحل والبحر. وغالبًا ما تنتقل الضغوط من المنبع إلى المصب. كما تؤدي إزالة الغابات إلى تسريع الفيضانات وتعرية التربة؛ وتُلحق الأنهار الملوّثة الضرر بمصائد الأسماك والنظم البيئية البحرية. من شأن إدارة هذه الروابط حماية كل من سبل العيش والطبيعة.

إنّ التكيف المناخي يحدث على أرض الواقع أيضًا. ففي جميع أنحاء المنطقة، تتمتع المجتمعات بتاريخ طويل من القدرة على التكيّف والصمود. فالمزارعون يصطبون المنحدرات على شكل مدرّجات للاحتفاظ بالتربة والمياه، ويحصدون الأمطار في الصهاريج، ويحفظون البذور التي تتحمل الحرارة. والعديد من هذه الممارسات لا تزال فعّالة حتى اليوم. وعند دمجها مع الأدوات الحديثة – مثل الريّ الفعّال، والطاقة المتجددة، والتنبؤات المناخية، والرصد الرقمي – فإنها توفّر أساسًا أقوى لمواجهة تغيّر المناخ.

بالتالي، ليست قصة الماء والغذاء وتغيّر المناخ في المتوسط قصة مخاطر وحسب، لكنها قصة خيارات أيضًا. فمن خلال الإدارة المتكاملة للمياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية، وتقييم المعارف المحلية إلى جانب الابتكار، وحماية التنوّع البيولوجي، يمكن للمجتمعات المحلية الحفاظ على المناظر الطبيعية، والمحاصيل وطرق الحياة التي تحدد هوية المنطقة.

تغير المناخ أصبح حقيقة لا مفر منها — ولكن الفرص متاحة لنا لنتحرك معاً من أجل الحاضر والأجيال القادمة.

تغير المناخ أصبح حقيقة لا مفر منها — ولكن الفرص متاحة لنا لنتحرك معاً من أجل الحاضر والأجيال القادمة.

هل مناخك في تغيّر؟

أجرِ هذا الاختبار السريع واكتشف كيف يتجلّى تغير المناخ في المكان الذي تعيش فيه.

ابق على تواصل

تابع مناخنا – مجتمعنا على صفحات التواصل الاجتماعي لمزيد من القصص، والمستجدات، والنصائح العملية، والأفكار الملهمة من أنحاء البحر الأبيض المتوسط.