شرحأساسيات المناخ
ما هو تغير المناخ – وكيف يؤثر في منطقة البحر الأبيض المتوسط؟
ليس تغيّر المناخ موجة حر واحدة، أو أسبوعًا ممطرًا بشكل غير مألوف، أو شتاءً معتدلًا. هذا هو الطقس – يتبدّل بين يوم وآخر، وأحيانًا بين ساعة وأخرى. أمّا المناخ، على النقيض من ذلك، فهو النمط الطويل الأمد لدرجة الحرارة، وهطول الأمطار، والرياح، الذي يشكل طريقة عيش الناس حياتهم، وفي زراعاتهم واستخدامهم للمياه.
يدرس العلماء هذه الأنماط على مدى عقود – عادةً 30 عامًا أو أكثر- لفهم ما يعتبر طبيعيًا، واكتشاف متى تبدأ هذه الإيقاعات في التغيّر. واليوم تتجلى هذه التحولات واضحةً في جميع أنحاء العالم. ومنطقة البحر الأبيض المتوسط ليس استثناءً.
تعد الغازات الدفيئة جوهر تغير المناخ. وهذه الغازات ضرورية، لكن بالكميات المناسبة. تشكّل الغازات مثل ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز غطاءً طبيعياً حول الأرض، حيث تحتجز ما يكفي من الحرارة لجعل الحياة ممكنة. وبدونها، لكان كوكبنا بارداً للغاية بحيث لا يمكن العيش عليه.
الغازات الدفيئة المنبعثة بكميات فائضة منذ الثورة الصناعية هي ما يسبب تغير المناخ.
بالتالي، ليست المشكلة في وجود هذه الغازات بل في كمياتها الفائضة. فمنذ الثورة الصناعية، نتج عن الأنشطة البشرية غازات دفيئة أكثر بكثير مما تستطيع الطبيعة امتصاصه.
يُنتَج ثاني أكسيد الكربون بشكل أساسي عن حرق الفحم، والنفط والغاز لتوليد الكهرباء، والنقل والصناعة. فيما ينبعث الميثان من أنظمة النفط والغاز، والماشية والنفايات. أما أكسيد النيتروز فينتج عن الأسمدة المستخدمة في الزراعة المكثفة. وتوجد بعض الغازات الصناعية بكميات أقل ولكنها تحتجز حرارة أكثر بكثير.

مجتمعة، هذه الغازات تزيد من سماكة الغطاء الذي يحبس الحرارة على الأرض. فلا تزال أشعة الشمس تصل إلى الكوكب، ولكن يتم احتجاز المزيد من الحرارة في الغلاف الجوي بدلاً من أن تتسرب إلى الفضاء. تمتص المحيطات الكثير من هذه الطاقة الزائدة. ويذوب الجليد بسرعة أكبر. وتبدأ الرياح والتيارات التي تُشكّل أنماط الطقس في التغير.
وقد أصبحت التأثيرات مرئية بالفعل. إذ تمّ منذ العام ٢٠٠٠ تسجيل تسعة عشر عامًا من أصل العشرين عامًا الأكثر دفئًا على الإطلاق. الأنهار الجليدية تتراجع. ومستويات البحار ترتفع. وقلّت قابلية توقع هطول الأمطار.
يتدفأ المتوسط بوتيرة أسرع من معظم مناطق العالم – وحتى الزيادات الطفيفة في درجات الحرارة لها عواقب وخيمة.
على الصعيد العالمي، ارتفع متوسط درجات الحرارة بنحو ١٫١ درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية . لكن الاحترار في حوض المتوسط يحدث بشكل أسرع – بين ١٫٥ و١٫٨ درجة مئوية. صحيح أنّ الاختلاف يبدو صغيرًا، لكن عواقبه وخيمة. فكل جزء من الدرجة يزيد من خطر الجفاف، وحرائق الغابات، والفيضانات والحر الشديد.

يعتبَر المتوسط في الوقت الراهن بؤرة مناخية ساخنة. الصيف أطول وأكثر حرًا. وهطول الأمطار أقل تواترًا، ولكن عندما تهطل الأمطار، فإنها تكون غزيرة وتسبب فيضانات وتآكل التربة. ويمكن أن يستمر الجفاف لأشهر أو حتى سنوات.
على طول الساحل، يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى دفع المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية العذبة والأراضي الزراعية. . وفي المناطق الداخلية البعيدة عن السواحل، يتم استخراج المياه الجوفية – التي كانت في السابق شبكة الأمان خلال سنوات الجفاف – وإفراغها أسرع من تغذيتها. وغالبًا ما يواجه المزارعون، والرعاة وصيادو الأسماك هذه الضغوط أولًا، لكن آثارها تمتد إلى الجميع من خلال ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ونقص المياه وتزايد عدم اليقين.
لكن لا يشعر الكل بهذه التغييرات بشكلٍ متساوٍ. إذ يميل تغيّر المناخ إلى التأثير في النساء أكثر من الرجال، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه إلى زيادة عبء إدارة الصحة والصرف الصحي، وجمع المحاصيل وتحضير الطعام للأسرة – وهي أدوار لا تزال تؤديها النساء إلى حد كبير في جميع أنحاء المنطقة.
تغير المناخ لا يتعلق بالطقس فحسب. إنه يعيد تشكيل النظم البيئية التي تدعم الغذاء والماء والحياة نفسها.
تتعرض الطبيعة بدورها لضغوط متزايدة. فالأراضي الرطبة التي تُرَشّح المياه وتحد من الفيضانات تتقلص. والغابات التي تُخزّن الكربون وتحمي التربة تشتعل فيها النيران في الكثير من الأحيان. وفي البحر، المياه الأكثر دفئًا والأكثر حمضية تقلّل من مخزون الثروة السمكية والتنوع البيولوجي البحري، مهدّدةً سبل العيش في المناطق الساحلية.
تغير المناخ لا يتعلق بالطقس فحسب. إنه يعيد تشكيل النظم البيئية التي تدعم الغذاء والماء والحياة نفسها.
بالرغم من ذلك كله إلا أنّ منطقة البحر الأبيض المتوسط منطقة تتمتع بتاريخ طويل من القدرة على التكيف. فقد واجهت المجتمعات هنا الجفاف، والفيضانات، والنزاعات، والندرة والتغيير لعدة قرون. وتمكنت من التكيف من خلال تبادل المعرفة، وإدارة الموارد الشحيحة بعناية ودعم بعضها البعض.
إنّ هذه القدرة لا تزال قائمة. وصحيح أنّ تغير المناخ يتسارع، إلّا أنّ الناس ليسوا عاجزين. فمن خلال الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، واستعادة النظم البيئية، واستخدام المياه بشكل أكثر كفاءة، والاستثمار في الحلول الجماعية، يمكن للمجتمعات المتوسطية حماية ما هو أكثر أهمية – سبل العيش، والصحة، والثقافة والمجتمع.
التحدي خطير. لكن قدرتنا على الاستجابة له معاً كبيرة أيضاً.